أكان لا بد يا عبدالعال أن تقرأ لنا؟*
من كان يصدق أن
يستيقظ أهل الحي في هذه الساعة؟ من كان يظن أن المسجد المهجور سيمتلئ عن آخره
لصلاة الفجر؟
مضحك هذا
التغيير الذي طرأ علينا بسبب عبدالعال، مضحك أكثر من كل النكات المروية التي هي
غذاء ما تبقى من عقل أهل الحي، حي الكيف والمزاج.
أكان لا بد يا
عبدالعال أن تقرأ لنا؟
صوته جذب
المسطول والمشغول والضعيف والقوي والكفيف والغني. الكل خلفه يصطفون، الكل الآن
ساجدون، ينتظرون. ينتظرون هذا الصوت العذب يكبر للقيام من السجدة.
أكان لا بد يا
عبدالعال؟ أكان لا بد؟
الساجدون بدأوا
يشعرون بطول السجدة، لكنهم لا يرون ما أراه أنا من النافذة. عبدالعال، إمامهم،
يقوم من سجوده دون أن يقول، ويتركهم في حالة سجود لم تعتده أجسادهم، ويقفز من
نافذة ملاصقة للقبلة، ويقترب من بيتي.
***
لكن من أكون؟
أنا "لي
لي" بنت جوني وبديعة. أنا نصف إشاعات وأحاديث واستنكارات واستحسانات واتهامات
وبراءات أهل الحي، أنا أعجوبتهم بنصفي الإنجليزي ونصفي المصري، كما قيل عني. أنا
بارعة الجمال تعيسة الأحوال، بشعري الأحمر الكثيف وبشرتي ناصعة البياض وعيناي
العسليتين، وبأمي التي لم تحفظ لنا سمعة ولم تسكت عنها الألسن إلا بما كانت تملك
من مال من معاش أبي الإنجليزي وتجارة المخدرات، أمي التي أصرت أن تعلمني وما أفدت
من التعليم شيئا في هذا الحي الذي لا يعرف إلا النكتة. حتى ظهر فيه عبدالعال.
أكان لا بد يا
عبدالعال أن تقرأ لنا؟
صوت وحيد ينطلق
في الفجر عندما يبدأ أهل الحي نومهم. صوت غريب على ناس لهم طريقتهم في اتباع
الدين، فما عرفوا صلاة إلا ركعتي يوم الجمعة ويصومون نهار رمضان ويحششون ليله. صوت
ساحر فجأة سمعناه يقرأ لنا فتبدل حالنا.
مثل كل أهل
الحي، عندما قرأ لنا عبدالعال أخذنا بجمال صوته، انبهرنا بخشوعه في التلاوة كأننا
أصبحنا أقرب إلى الله، وطلبنا منه الإعادة—رغم أنه لم يسمعنا نحن النساء فنحن
سمعناه من بعيد أما السميعة حوله فكانوا الرجال، ومن بعيد كانت تتصاعد من النساء
الآهات مع وقفاته. عندما قرأ لنا، دخل صوته قلوبنا.
مثل كل أهل
الحي، لم أفهم أنه يريد أن يوقظ قلوبنا للتقوى. نحن صادقون في إيماننا، لكن
بطريقتنا وقيمنا التي تتوافق مع تواضع أحوالنا. كان لسان حالنا يقول، اقرأ لنا
بصوتك الحلو لكن اسمع "خميرة عكننة مش عايزين، وحسابنا في الآخرة نحن
عارفين". لو فكرت فيما يعظنا به الواعظون لرفضت حياتي، فكان يجب أن أرفض ما
يحاولون فرضه علينا من إيمان مثالي. وإلا كيف أبرر سلوك أمي وكيف أقبل أني تشكلت
قبل زواجها من أبي.
مثل كل نساء
الحي، اقتربت نحو عبدالعال انجذابا وراء حلاوة صوته لأعرف الرجل نفسه. النساء ذهبن إليه بسؤال أو حجة سؤال. في البدء
لم يكن ينظر إليهن، لم يكن يرفع رأسه عن الأرض. حتى عندما بدأ يرفع رأسه استجابة
لنظراتهن الشيطانية ولأسئلتهن الاعترافية، حتى حينها كانت نظرته لهن تشع بشيء غير
نظرة الرجال للنساء، نظرة صارمة رادعة. لن يفعل ذلك معي. أنا لي لي التي لا يقول
لها أحد لا. أنا من أرفض رجال الحي ترفعا. أنا من أختار.
أكان لا بد يا
عبدالعال أن تقرأ لنا؟
- أنا اسمي (لي
لي) ما سمعتش عني؟
هكذا بدأت
كلامي معه. لم تردعني نظرته بل كانت نظرتي أقوى. بدا أنه سمع عني. بدا أنه ضعف لي.
لكنه صدّني، من يراني ويصدني؟ سألته أن يدلني على النور فقال لي "نورك في
إيدك" رفض أن ينير لي الطريق. حتى بعد أن ازددت صراحة فيما أريد.
- عايزاك
تعلمني الصلاة.
- عندي كتاب
خذيه.
- أنا عايزة
درس خصوصي.
- روحي الله
يغفر لك.
لا يصرفني أحد.
أنا من أختار.
***
تعلمت أن أكون
صاحبة الاختيار لأني وجدت نفسي في حياة ليس لي فيها اختيار. مجتمع لا يحترم إلا
القوة، لا يفيق إلا لينسطل، لا يرى فيّ إلا الجمال.
وجدت منذ صغري
أن لا حسب لي، غير جدة إنجليزية غيرت اسمي من ليلى إلى لي لي، فألزمت الكل يناديني به. أما أمي المصرية فعيشتها يقبلها أهل الباطنية حيث ولدت وعشت، لكن—بسبب التعليم
الذي ألزمتني به—عرفت أن عيشتها لن تسمح لي بالحياة خارج هذا الحي برأس مرفوعة إلا
إذا أصبح لي شأن يغنيني عن النسب.
وعرفت منذ صباي
أن جمالي هو قوتي. فمنحت ومنعت منه ما أفادني. وتعلمت أن ضعف الرجل أمام الجمال هو
ما يجعل الجمال قوة. لكني ما تعلمت شيئا من التعليم الذي جعلتني أمي أستمر فيه،
فاكتفيت من تعليمي بالتعالي به بين أهل الحي.
أكان لا بد يا
عبد العال أن تقرأ لنا؟
صوتك يا عبد
العال هو قوتك. قوة حقيقية تسحرنا بها، تجذبنا بها لتعلمنا طريقا غير الذي
اعتدناه، قوة لم يضعفها محاولات النساء. رأيت يا عبدالعال أن النساء يدفعها
الشيطان ولم تر أن الرجال يقودهم الشيطان.
جئت لك بحجة أن
أتعلم منك. كان لا بد أن أحصل على قوتك، أو تنصاع لقوتي، قوة جمالي الذي لا يقوى
أمامه رجل. ما كان يجب أن ترفضني يا عبد العال. ما كان يجب أن تقرأ لنا.
***
اعتدت أن أنام
بلا غطاء على الجسد الإنجليزي الذي لا يطيق حرارة الجو، أنام والنافذة مفتوحة.
فليس في مستواها سوى مئذنة الجامع الذي لم يكن يرتاده أحد، بل لم يكن أحد يمر من
أمامه خوفا من الذنب. حتى بدأ عبدالعال يؤذن للفجر.
قال لي أن نوري
في إيدي. فليكن سلاحي هو النور.
أضأت نور
الغرفة قبل الفجر وخلدت إلى النوم على السرير الخشبي المرتفع، وكما اعتدت نمت بلا
غطاء والنافذة مفتوحة.
صوت عبد العال
يشدو بالأذان أيقظني لكني لم أقم من نومي. بدأت أتقلب، ويتحرك معي رداء نومي
الخفيف. عيناي مغمضتان لكن حرارة نظراته تصلني. سأتحمل حرارتها.
حشرجة صوته
زادت إصراري وأخذت أتلوى. لقد انتصرت.
أم لا؟ لم
ينهار ولم يتوقف. لقد أقام الصلاة! متلعثما كأنه يستغيث لكن مكملا مهمته. قمت
للنافذة لأرى ما يجري.
الجامع ممتلئ
كأن أهل الحي وجدوا فيه طريق الجنة. البعض يقاوم النوم والكل تطقطق مفاصله في وضع
السجود الذي لم يعهدوه. الكل جذبهم عبدالعال بقراءته وعذوبة صوته وهو يؤذن. يكاد
ينهي الصلاة. يتوقف قبل القيام من سجدة أظنها الأخيرة. يحرم الناس من صوته وهو
يقرأ الشهادة ويسلم. لا، بل يتركهم ساجدين منتظرين ويتسلل من النافذة الملاصقة
للقبلة.
ابتعدت عن
النافذة وانتظرت. لحظات وأكون قد انتصرت. دق الباب باستعجال. بتمهل أخذت ملاءة
السرير ولففتها حول رداء النوم الخفيف، ثم ذهبت وفتحت الباب.
وقف عبد العال
أمامي وعلى وجهه ابتسامة بلهاء. بدأ يفتح أزرار ردائه هذا الذي لا أعرف اسمه.
- جئت أعلمك
الصلاة.
ابتسمت انتصارا
ولم يلحظ ابتسامتي، فعيناه مركزتان على جسدي. تركت الملاءة تنزلق قليلا ثم لممتها
ثانية واستدرت، معطياه ظهري.
- أنا اشتريت
الاسطوانة الانجليزية اللي بتعلم الصلاة. لقيتني أفهمها أكثر. متأسفة.
أغلقت الباب
وأطفأت النور.
*
هذه قصة قصيرة مبنية على قصة "أكان لا بد يا لي لي أن تضيئي
النور؟" للكاتب الكبير يوسف إدريس، وفيها تروى القصة من وجهة نظر لي لي، على
عكس القصة الأصلية. وأطعم قصتي ببعض الجمل القليلة من القصة الأصلية (مميزة بالبنط العريض) لبناء جسر بين
القصتين.
بقلم هدى ي. أبوزيد
نشرت في المدونة في القاهرة 30/09/2013
جميع الحقوق محفوظة للكاتبة

