Saturday, November 10, 2012

ملحوظة: كتبت هذه المقالة في أوائل نوفمبر، وقد حدثت تغييرات عديدة في الساحة السياسية وفي مشروع الدستور، وبالتالي الآراء قد تكون تغيرت -الملحوظة أضيفت في 8 ديسمبر 
  

دستور في اليد وشباب للغد


الدستور والشباب عنوان ندوة استفزني، لكن أسماء المتحدثين أعطتني الثقة لأذهب. وقد أجادوا وأفادوا.

مشكلة العنوان أن كلمة شباب أصبحت تزج في كل "حوار" (بمعناه الشبابي) كأنها تشير إلى فصيل أو عرق مستقل في مصر، وتفتعل تقسيما إضافيا في المجتمع، وتغفل أن الشباب مجرد مرحلة يمر بها الجميع ولا يستمر فيها أحد. وأقلقني ربطها بالدستور أن تطالب الندوة بنص دستوري لحقوق "المواطنة" للشباب كما للمرأة والبدو وكل الفئات التي همشها أو استهمشها النظام البائد الفاسد.

لم يكن هذا موضوع الندوة لحسن الحظ. بل بدأ مستشار الرئيس للشئون القانونية محمد فؤاد جاد الله أستاذ القانون الدولي وعضو الجمعية التأسيسية بتعريف محتوى الدستور وكواليس عمل الجمعية التأسيسية والوضع الحالي للدستور. ثم قدم عبد الرحمن يوسف، الشاعر والإعلامي والناشط والمفكر السياسي، رؤية تحليلية للوضع الراهن وأزمته الممتدة للدستور وطرح تصوره لدور الشباب في إعادة بناء مصر جديدة كما أرادتها الثورة-من خلال المحليات وحلول للمشاكل الحقيقية، وانتزاع مكانهم تدريجيا في المشهد السياسي. ثم قدم الناشط السياسي عبد الرحمن عز رؤيته لوضع ودور الشباب كشاب شارك في الثورة. وختم نادر بكار عضو الجمعية التأسيسية وعضو حزب النور برؤية لكيفية إدارة مرحلة إعادة البناء بالإفادة من العلوم الحديثة.

عرّف المستشار جاد الله الدستور بأنه مجموعة قواعد تصف الدولة (الهوية والشكل) وكيفية إدارتها (نظام الحكم والسلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية) وحقوق مواطنيها (الحقوق والحريات)، بالإضافة لأحكام انتقالية (ما يحدث للسلطات القائمة عند بدء العمل بالدستور الجديد، مثل استكمال الرئيس لمدته). ويكون نظام الحكم ديمقراطي أو دكتاتوري، وبالانتخاب أو التوريث، ورئاسي أو برلماني أو مختلط، حيث تتوزع السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، والمختلط هو نظام أغلب دول العالم، مثل فرنسا، وهو نظام مصر في دساتيرها المتعاقبة، وهو بين الرئاسي البحت (في الولايات المتحدة فقط) حيث لا يوجد رئيس وزراء وبين البرلماني (مثل بريطانيا) حيث السلطة لرئيس الوزراء ومنصب الملك/الرئيس شرفيا.

وبخبرته في حقوق الإنسان، أشار لأهمية باب الحقوق والحريات إذ تقاس جودة الدستور عالمياً بمقدار تضمنه للحقوق والحريات المتعارف عليها دوليا. وهي تهدف أن يعيش المواطن بكرامة من خلال حقوق تحرره من الخوف ومن الفقر (ملبس ومأكل ومسكن). وأشاد بتضمن الدستور الجديد لحقوق وحريات أكثر من دساتير مصر السابقة، مثل تداول المعلومات.

ويرى أن الدستور يضع الهيكل العام مع ترك التفاصيل للسماح بمساحة حركة للمشرع العادي لإجراء تعديلات، إذ لو تضمن الدستور تفاصيل "سيصاب المجتمع بجمود" لصعوبة تعديله. ويختلف كم التفاصيل في الدستور حسب حاجة كل دولة. وفي حالة مصر في أعقاب ثورة، يرى المستشار من الأفضل تقليل التفاصيل المقيدة لأنها مرحلة ستشهد تغييرات كثيرة لاقتلاع جذور الفساد.

وقررت الجمعية إلغاء نسبة 50% عمال وفلاحين عملا بمبدأ عدم تمييز أي فئة، ولأنها غير موجودة في دساتير العالم. وقررت الاحتفاظ بمجلس الشورى (مع تغيير اسمي المجلسين للنواب والشيوخ) نظرا لأن مصر مقدمة على سلسلة تشريعات تحتاج مراقبة مجلسين لتخرج التشريعات متقنة.

وشرح أن الجمعية التأسيسية قسمت كتابة الدستور على أربعة لجان. وضعت كل لجنة مشروع جزء من الدستور قدمته للجنة الصياغة (من متخصصي لغة وقانون دستوري) لضبط الصياغة. الأجزاء الأربعة هي المسودة المنشورة ويتبقى أن تقوم الجمعية ككل (المائة عضو معا) بمراجعة الناتج المجمع قبل أن يصبح مشروعا للدستور، آخذين في الاعتبار الآراء المعبرة عن غالبية المجتمع وليس فئة معينة إذ "لا يمكن تفصيل دستور على مزاج كل فئة..وإلا خرج مهلهلا". وعلى اللجنة تقديم هذا المشروع قبل 12/12 (مهلة ال6 شهور) وإلا شكل الرئيس جمعية جديدة، وعليه فلا يرى أن قضية حل الجمعية مؤثرة لأن المهلة تنتهي قبل البت فيها. وتمنى تقديم المشروع قبل انتهاء المهلة.

وليطمئن الحضور، ذكر أن حق المواطنة يكفل ضمنيا حق المرأة، وأن معظم أجزاء الدستور، نظام الحكم مثلا، لا مجال فيها لتتأثر بغلبة فكر تيار. ورغم اجتهاد الجمعية للخروج بأفضل دستور توافقي، يرى د/جاد الله أن هذا الدستور "ليس نهاية العالم بل بداية مصر جديدة".

ورأى عبد الرحمن يوسف كذلك أن هذا الدستور حتما سيكون مؤقتا، لأنه "لا أمل أن يخرج الدستور سليما في هذا الجو الاستقطابي" لكن أمله أن يحقق الحد الأدنى من التوافق ليتم التصويت عليه داخل الجمعية أولا ثم بين الناس بنسبة معقولة، حتى يمكن استكمال بناء مؤسسات الدولة إذ "لا نستطيع أن نوقف الحياة". 

ولخص عبد الرحمن يوسف المشهد السياسي الراهن وحالة الاستقطاب الحاد في أنها استكمال لمعارك سياسية وأحقاد بدأت منذ الخمسينيات وبالتالي تخص من أسماهم "عجائز" وكبار الساسة، أما الشباب فليسوا "طرفا في هذه المعارك" وعليهم ألا ينخرطوا فيها، وألا يحملوا هم الدستور "فكم من دول قمعت ودستورها نص على الحرية".

وبنبرته الحماسية التي تبث التفاؤل طرح رؤية الخروج من المأزق والحل عند الشباب الذي "سيحكم هذا البلد وسيعدل الدستور" والذي فرض بالفعل من خلال الثورة قواعد عامة لن يستطيع أحد التراجع عنها، مثل الانتخابات التي لم يعد من الممكن تزويرها، أما التأثير على إرادة الناخبين فموجود في العالم كله، بالمال والدعاية المغرضة والإشاعات والدين أيضاً.

ويرى أن "الدين مكون من مكونات الحياة، والسياسة عملها كل مكونات الحياة. ولم ينجح أحد أبدا في فصلهما" وأن الشعب المصري بطبعه يحب الملتزم دينيا، سواء المسلم أو المسيحي. أما الخطأ فهو التصوير للناس أن مرشحا معينا "هو مرشح الله" أو أن يصبح التدين هو المقياس الأوحد للاختيار.

"لا تترشحوا للبرلمان، معركتكم في المحليات" – هكذا بدأ عبد الرحمن يوسف رؤيته للحل (مشيرا إلى مقولة كتبها في أعقاب خلع النظام البائد)، بأن يبدأ الشباب "من تحت"، من المحليات والنقابات، حيث تتكشف المشاكل الحقيقية. وتطرق لأزمة القمامة كمثال، وأن أعضاء المجالس المحلية هم الذين يمكنهم معرفة حقيقة وجود شركات تجميع وعقود بشروط جزائية تعجّز فسخها، وضرب نموذج إردوجان عندما واجه نفس المشكلة وهو عمدة إسطنبول، وكان الحل في المجتمع المدني إذ تقدم الأفراد بقضايا تعويض ضد الشركات المقصرة وانقلب الحال على الشركات وتم التخارج. وبإيجاد الحلول للمشاكل الحقيقية، سيكسب الشباب ثقة الناس ومن المحليات ينتقلون لتولي مقاعد مجلس الشعب فالوزارة فالرئاسة. وتدريجيا تتحقق أهداف الثورة والتي خطتها لافتات ميدان التحرير.

هذا التحول التدريجي وصفه نادر بكار—المتخصص في إدارة الأعمال إلى جانب كل أدواره السياسية—مستعينا بمفهوم من عالم الأعمال وهو "إدارة التغيير" الذي يصلح في رأيه للتطبيق في الدولة كما في الشركات. ويبدأ بإرادة للتغيير، إذ قامت الثورة رفضا للحالة التي كان كل فرد يعيش فيها، وهي ليست كافية بل يجب أن يتبعها إدارة التغيير ولا يكون بمجرد تغيير النظام بل بتغيير الثقافة وأسلوب وحالة المواطن، ولابد سيحدث ما يعرف ب"مقاومة التغيير" ويجب التعامل معه. وبالنسبة لحياديته في الجمعية التأسيسية، أكد أنه يخلع عنه عباءة الحزب بمعنى أنه لا يدخل مصالح الحزب، لكنه لا يخلع عنه أفكاره التي يؤمن بها، تماما مثل كل عضو في الجمعية، ويتقبل أي أفكار جديدة إذا رآها أفضل.

وأتيحت في الندوة مساحة لأسئلة الحضور، وتباينت بين آراء ومقترحات وبين مخاوف وأسئلة. وتم طرح تساؤل بشأن شرط جنسية رئيس الجمهورية، حيث أعجبت البعض وأغضبت البعض ورأى البعض تضييقها مثلا بالنظر إلى جنسية الأبناء، فكان الرد أنه لا توجد دساتير في العالم تنص على جنسية الأبناء. واقترح إضافة تفاصيل عن نائب الرئيس وتقييد مهامه، وكان الرد أن مع تعدد النواب يجب تحديد صلاحيات مختلفة لكل نائب وبالتالي لا يمكن حصرها في الدستور.

ندوة متميزة، خرجت منها بالقناعة التالية: أن نسعى ليكون عندنا دستور "في اليد" بحد أدنى من التوافق لضمان تسيير الحياة واستكمال بناء الدولة، على أن يبدأ الشباب العمل نحو دور فاعل بتطلع للغد.

بقلم: هدي ي. أبوزيد

عن ندوة أقيمت في مكتبة ألف مصر الجديدة في 2 نوفمبر 2012


No comments:

Post a Comment