أشرت في صفحة مدونتي "في الأدب
والشعر" إلى قصيدة أعشقها لشاعرة إنجليزية وعنوانها "كيف أحبك؟"
وحكايتي مع هذه القصيدة أنني قرأت بيتين منها ضمن رواية، فوجدتني أحلم بهذا النوع
من الحب الذي يصفانه. فبحثت عن القصيدة وعن خلفية كتابتها، فعشقتها.
القصيدة نشرت في 1850 ومع ذلك
فالمقطع الذي كان في الرواية (وهي رواية حديثة) يتم استخدامه كثيرا كأنه من
الأمثال الشعبية، هذا هو مستوى روعة القصيدة.
والأروع قصتها. إليزابث باريت، صاحبة
القصيدة، كانت تربطها قصة حب مما يشبه الأساطير مع الشاعر روبرت براونينج، وقد
كتبت سرا (عن أهلها) 44 قصيدة تبث فيها حبها له، هذه إحداها (رقم 43). وقد استمرت قصة حبهما
فترة من خلال المراسلة مع لقاءات محدودة. وطبعا وقتها لم يكن هناك إنترنت فكانت
المراسلة شيء بطيء والحب الذي يتحمل هذا لابد كان حبا عميقا أسطوريا. وللرومانسيين
أزف الخبر: لقد توجت قصة حبهما بالزواج رغم الصعاب.
بدأت قصة الحب عندما نشرت الشاعرة
ديوان اشتهر كثيرا، وأعجب روبرت براونينج، الذي لم يكن معروفا بمقدارها في ذلك
الوقت فقرر مراسلتها ليبدي إعجابه بأعمالها ثم قابلها لتبدأ واحدة من أشهر قصص
الغزل والحب في تاريخ إنجلترا الأدبي. وكانت إليزابث ضعيفة البنيان من جراء مرض
ألم بها منذ المراهقة وكانت أكبر من روبرت بست سنوات، فاستغرق الأمر وقتا حتى تصدق
أن هذا الرجل المميز يحبها بالقدر الذي يعلنه، وبعد فترة من مراسلات الغرام السري،
تزوجا أيضا سرا لاقتناعها هي وأخواتها أن والدها الثري سيعارض، وقد حرمها بالفعل
من الميراث. لكن لأنها كانت شاعرة مرموقة فكان لها مال خاص ولم تعاني مشاكل مالية
وعاشت هي وزوجها في إيطاليا حتى وفاتها وأنجبت (في سن 43 بعد عدة مرات حمل غير مكتمل)، وكانت زيجتهما قصة حب
وانسجام مستمرة. وقد ماتت من جراء مرض في الرئة بين ذراعي زوجها الذي وصف أنها
ماتت "مبتسمة بسعادة ووجهها مثل طفلة صغيرة".
ألا يستحق هذا الحب الجميل أن تكتب
فيه كل هذه القصائد؟! شاعرة تحب وتستخدم ملكاتها لتصف هذا الحب، فماذا تتوقع؟ أجمل
وصف وأصدقه.
أتساءل وأنا أقرأ قصائد الحب لشعراء
معاصرين مثلا "هل كان الشاعر حقا في حالة حب؟" وإلا بيضحك علينا؟ وهل
يتوقف عن الكتابة إذا توقفت قصة حبه؟ هذه القصائد لإليزابث باريت براوننج هي
المشاعر الحقيقية.
والقصيدة 43 "كيف أحبك" هي
ببساطة تصف فيها مقدار حبها له. وتبدأ بطرح السؤال "كيف أحبك؟" كأنها
تبحث داخل نفسها عن إجابة تصف بها طريقة ومقدار
حبها، تذكرني بالطفل الصغير الذي يقول "باحبك قد الدنيا كلها".
لا يقاوم. هكذا هي بنفس الشكل العفوي والمبالغة لكن بموهبة الشاعر. ثم ترد على
السؤال بالرد "دعني أعد الطرق" وتبدأ وصف كل طريقة بكلمات متكررة
"أحبك I love thee" (والتكرار من أساليب
البلاغة) ثم تكملها بوصف أو تشبيه يستغرق كل منها بيت أو أكثر. تقول أحبك بعمق
وعرض وارتفاع ما تستطيع روحي أن تصل إليه في سعيها الروحاني نحو معنى الحياة
والحق. فأول طريقة استخدمت فيها الأبعاد المكانية فلم يعد هناك مساحة لا تحبه فيها
بل واستخدمت أبعاد الروح خارج المضمار المادي المحدود فكانت المساحة أكبر التي يملؤها حبها.
ثم تقول (في الطريقة الثانية) أحبك
حتى مستوى أهدأ حاجة يومية، في الشمس وفي ضوء الشموع. بعد أن ملأت كل المساحة
بحبها في الطريقة الأولى، جاءت الطريقة الثانية لتغطي كل الأوقات وكل الاحتياجات،
وقد اختارت أهدأ احتياج يومي (الذي ربما لن يخطر في باله أن يطلب تلبيته) فطبيعي أنها تلبي هذا وكل ما هو أكثر منه (بالتالي فهو لن يحتاج أحدا غيرها) ثم استعارت
الشمس لتعبر عن النهار وضوء الشموع لتعبر عن الليل. الصورة في هذا المقطع (وهو الأكثر شيوعا حتى اليوم كما ذكرت في أول الكلام) لا تفارقني، وهي سبب
وقوعي في حب القصيدة. فهي تصف الحب الشاعري في إطار حقيقي واقعي، كأنهما تزوجا ومرت فترة
فأصبح لا يحتاج شيئا في أي وقت إلا وتلبيه له حتى لو كان احتياجه هادئا لا يعبر
عنه (وتدور في ذهني أشياء كثيرة هي هذا الاحتياج الهادئ، لكني أترك لكل منكم أن
يطلق العنان لخياله). كأنها هنا تعده باستمرار الحب بعد سنوات من الزواج، وقد كان فعلا في حياتهما.
ثم تسترسل بوصف الطريقة التي تحبه بها من خلال سلسلة
من التشبيهات التي تستحضر فيها المشاعر الوطنية والإيمان وبراءة حب الطفل، أي مواقف مختلفة للحب البشري، كأنها هنا تحبه بكل أنواع الحب. وتختم الطرق
التي تحبه بها بأن تملأ آخر بُعد وهو
داخلها، فهي أحبته بالأبعاد المكانية الثلاثة والبعد الزمني اليومي بشقيه
(النهار والليل) والبعد الداخلي له (احتياجاته) والبعد النوعي للحب، وبقي أنها تحبه بكل الأنفاس
والابتسامات والدموع في حياتها، أي تحبه بحياتها كلها وقد لخصت حياتها في ثلاثة: النفس (الذي لا حياة بدونه أي لا حياة بدون حبه) ولوني الانفعال (الابتسام
والبكاء). قد تعتقد أنه لم يتبق شيء لم تملؤه بحبها، فتفاجئك في آخر القصيدة، أنها
ستحبه أكثر بعد الممات.
كل هذا الحب! ما أجمله! القصيدة في
شكل تقليدي جرى استخدامه لقصائد الحب (انظر التفاصيل في صفحتي على هذه المدونة
"في الأدب والشعر")، وإذا قرأت القصيدة بصوت مسموع ستجد أنك يمكنك أن
تدق قدمك بانتظام معها، حرف متحرك ترفع قدمك والمتحرك التالي تضرب بها الأرض
"دوم-تاك-دوم-تاك"، خمس دقات في كل سطر. وهو بحر مستخدم كثيرا في الشعر
الإنجليزي خاصة في الشعر الغنائي لوضوح النغمة فيه.
أدعوكم لقراءة هذه القصيدة
والاستمتاع بطرق حب تفوق الخيال لكنها تحققت في قصة حب حقيقية.
يا رب إوعدنا!
- جميع الحقوق محفوظة لهدى ي. أبوزيد
- جميع الحقوق محفوظة لهدى ي. أبوزيد
No comments:
Post a Comment