Wednesday, February 1, 2012

الدنيا أبيض وأسود

الدنيا أبيض وأسود
تخيل أنك استيقظت يوما وجدت الدنيا أصبحت أبيض وأسود.... هل تعجبك؟ بسيطة؟ مملة؟ وماذا عن متعة الألوان؟ ربما ترد بأن هذا غير معقول أصلا ويخالف نواميس الكون وستكون على حق، فالطبيعة تزخر بالألوان، زرع ورمال وزهور بل وعيون. والعين البشرية (على خلاف عيون بعض الحيوانات) مؤهلة بأدوات لتمييز الألوان، وكذلك النفس البشرية مؤهلة لتأنس بها وتستمتع بها وتفيد منها.
لكن كثير من الناس يختارون تجاهل هذا ويفرضون على أنفسهم حياة في دنيا أبيض وأسود ويرفضون قبول الألوان الأخرى. فالأفراد عنده إما أصحاب أو أعداء، وصديقه لا يخطئ ويدافع عنه أما عدوه فهو شرير وأي فعل باطنه لابد شر. يحاكم كل من يعرفهم فهم إما معه فلا يجوز لهم أن يخالفوه أبدا أو هم عليه. هذا النوع من الناس يرى البشر أبيض وأسود.
وكثير من الناس يعتقدون في حسم كل القضايا. كل شيء فيه موقف صح وما عداه خطأ. يجب أن يصلوا إلى "النتيجة"، ولا يقبلون جدليات مفتوحة ولا يتخيلون احتمال أن هناك أكثر من طريق أو أكثر من رأي صواب. هذا النوع من الناس يفوته ثراء تعدد الآراء التي تهبنا فرصة قطف من كل بستان زهرة، يفوته متعة ألوان الرأي ووجهات النظر، إذ دون التباين contrast لا تتضح معالم الصورة. هذا النوع من الناس يرى القضايا أبيض وأسود.
مع بدء السينما كانت الأفلام أبيض وأسود، ليس فقط في الصورة ولكن في القصة والإخراج والشخصيات أيضاً، فالشرير أفعاله كلها سوداء والبطلة ملاك أو يمامة بيضاء. والنهاية إما سعيدة تحل فيها كل المشاكل أو يموت البطل! عندما نريد أن نعيش لحظات بساطة لإراحة عقولنا، نشاهد فيلم أبيض وأسود. لكن سينما الواقعية بالألوان الطبيعية حيث البطل يخطئ أحيانا ويضعف، والشرير قد يندم ويتوب. نحن الآن في عالم ألوان، يموج بالاختلاف بين بشر زالت بينهم المسافات بفعل تكنولوجيا الاتصال وتسارع المواصلات.
لم يعد ممكنا أن يعيش أحد دنيا أبيض وأسود. يجب أن ننفتح على تقبل الناس على اختلاف ألوانهم، وأن نقبل أن الرأي المخالف لنا ربما يكون صوابا أو أحد "الصوابات". لهذا خلقنا نميز الألوان! وتذكروا أن الألوان تضم الأبيض والأسود أيضا، فلا بأس أن ترى شيئا أو آخر بالأبيض والأسود لكن من غير الصحي أو الطبيعي أن تكون أغلب أو كل الأمور هكذا.
والعلاج: جرعات كبيرة من الثقافة مع علاج بالطبيعة نتأملها لنتعلم جمال الألوان وأخيرا عملية زرع موضوعية، نزرع في عقولنا القدرة على رؤية الرأي الآخر بموضوعية.

No comments:

Post a Comment