Thursday, January 19, 2012

الثورة من داخلنا


عندما يطرح موضوع  "هل نجحت الثورة؟" يدور النقاش دائما حول مدى نجاحها على مستوى مؤسسات الدولة ونظامها السياسي، وينتهي الرأي بأن الكثير لم يتحقق وما زال القائمين عليها لم ينفضوا عن أنفسهم غبار النظام البائد. وهو من ناحية صحيح فالمشوار حقا طويل وبه بالطبع أذى كثير وضعه كل من يضره التغيير، لكننا بدأنا خطوات فعلا، ويكفي أن نتخيل حالنا اليوم لو كان مبارك استمر أو ابنه حكم.

أما الذي لا نرى فيه أي تغيير إيجابي هو نحن كأفراد. لو كنا تغيرنا لظهرت البوادر على الشارع والمجتمع. لكننا لم نر أحدا قرر أن يبدأ بنفسه، أن يحاول مثلاً أن يتقن عمله ويترك السعي كل السعي لاستغلال أي فرصة مكسب حتى لو ليست من حقه، أو يحاول أن يلتزم بالقانون، ولو مجرد أبسط مبادئ قانون المرور (بل تجد السيارات تضع لافتات الثورة بفخر ثم تسير عكس الاتجاه أو تقف لتسد الشارع ويسب سائقها الجميع ويلقي في الشارع فضلات الـ"تيك أواي"). فكيف نطلب أن يتوقف الفساد ولم نوقفه في أنفسنا أو يطبق القانون على من أذانا ولا نطبقه على أنفسنا؟

إننا لا نسمع أحدا يقول هذه فرصة التغيير، فلأصلح أكبر عيوبي! ثم يختار كل منا أسوأ ما فيه ويصلحه. كل التغيير الذي رأيناه في الأفراد هو شراسة زائدة في المعاملة بين الناس يتخللها أكبر قاموس شتائم يملكه شعب واعتداءات جسدية ونفسية لا تفرق بين رجل وامرأة وكبير وصغير، واستهزاء برأي الآخرين وتجاوز لحدود الاحترام تحت مسمى "حرية وجرأة"، وتحويل الاختلاف في الآراء أو أولويات الأهداف إلى تخوين واتهامات تدعم بحقائق يطمس فيها الفرق بين الرأي والمعلومة أو تقضم فيها المعلومة على طريقة "ولا تقربوا الصلاة". وأنا هنا أتكلم عنا كأفراد وليس مؤسسات الدولة حتى لا نكتفي بتوجيه أصابع الاتهام صوب من يقف أمامنا ونبدأ بأنفسنا.

لا عجب أن يحق علينا قول الحق "" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ" (من سورة الرعد، 11)، فنرى الثورة تتعثر من الخارج لأننا وأدناها في داخل كل منا.

لقد كان هناك مواكبة واضحة في فبراير 2011 بين الداخل (الفرد) والخارج (مؤسسات الدولة). ناس تضرب مثلا في التغيير من تنظيف شوارع وتعاون في حماية البيوت وإعادة ترتيب للأولويات (تراجع كرة القدم مثلا من هدف إلى ترفيه)، فكان في المقابل على مستوى السياسة حل المجالس وغيرها من إنجازات. ثم تراجع أداء الفرد وبدأنا كأفراد أكبر حملات "فرق تسد" لم يكن يقدر عليها العادلي نفسه. وقسمنا المجتمع على كل أساس ممكن: شباب ومسنين (وكأن الشباب يدوم أبدا وكأنه لا يوجد ما بينهما)، وعلى أساس الدين وجعلنا المسلمين وكأنهم عدة ملل مع أننا كلنا موحدين، وعلى أساس السياسة من ليبراليين وعلمانيين وإسلاميين، ونخبة مثقفين وأميين غير واعين (برضه ما فيش حاجة وسط بين الاثنين)، وثوار وشعب (طب الثوار منين لو مش من الشعب؟) ولو دققنا سنجد شيزوفرانيا (أي فصام) في التقسيم فالشاب اليوم هو نفسه المسن بعد سنين فماذا سيفعل حينها؟ هل يستمر في الدفاع عن الشباب أم يكرر تمسك مبارك وعصابته بمراكزهم؟ وعندما كرهنا بعضنا توقفت إنجازات الثورة.

ليثور كل منا على نفسه ويطرد من داخله غرور مبارك وقمع العادلي وفساد وزارة نظيف، عندها ربما ستحدث ظاهرة التموج عندما ترمي حجرا في ماء فتتسع دوائر الموج الصغير وتنتشر لتحرك الماء الراكد كله، إن مجرد إصلاح أنفسنا من الداخل سيجعلنا أقوى في طلب حقنا في صلاح وطننا الحبيب.

No comments:

Post a Comment